الشيخ الصدوق
83
معاني الأخبار
فيه بالتقوى ، متواضعين ، يوقرون الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون الغريب . فقلت : فكيف كان سيرته في جلسائه ؟ فقال : كان دائم البشر ( 1 ) ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، ( 2 ) ولا غليظ ، ولا صخاب ( 3 ) ، ولا فحاش ، ولا عياب ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ، فلا يؤيس منه ، ولا يخيب فيه مؤمليه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والاكثار ، وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم أحدا ، ولا يعيره ( 4 ) ، ولا يطلب عثراته ولا عورته . ولا يتكلم إلا في ما رجا ثوابه إذا تكلم أطرق ( 5 ) جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا ، ولا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم ، ويقول : إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه ( 6 ) ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام . قال : فسألته عن سكوت رسول الله صلى الله عليه وآله . قال : كان سكوته على أربع : على الحلم والحذر ، والتقدير ، والتفكر ( 7 ) . فأما التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس وأما تفكره ففيما يبقى أو يفنى ، وجمع له الحلم في الصبر ، فكان لا يغضبه شئ ولا يستفزه وجمع له الحذر في أربع ، أخذه بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح لينتهى عنه ، واجتهاده الرأي في صلاح أمته ، والقيام فيما جمع لهم من خير الدنيا والآخرة . هذا آخر ما رواه عبدان .
--> ( 1 ) البشر - بالكسر - بشاشة الوجه . ( 2 ) الفظ : الغليظ السيئ الخلق الخشن الكلام . ( 3 ) الصخاب : الشديد الصياح . ( 4 ) عيره تعييرا : نسبه إلى العار وقبح عليه فعله . ( 5 ) أطرق الرجل : سكت وجعل ينظر إلى الأرض . ( 6 ) رفده : أعطاه . ( 7 ) في بعض النسخ [ التفكير ] .